عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

64

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

أو يكون معنى الشوق أنّ من أدرك صفات محبوبه إدراكا غير كامل فإنّه يشتاق إلى تكميل ذلك الإدراك . ومثاله أنّ من عاين محبوبه في غيم رقيق على هيئة مّا ثم علم أن ذلك الغيم هو المانع عن كمال الإدراك وأنّه ينقشع فهو يشتاق إلى كمال الرؤية عند زوال المانع ، وزيادة شوقه بقدر تطلّعه إلى زيادة الوضوح والكشف في المشاهدة : [ من الوافر ] وأبرح ما يكون الشّوق يوما * إذا دنت الخيام من الخيام « 1 » واعلم أن المحبّ ما لم يصل إلى مقام الاتحاد لا تنقطع الحجب التي بينه وبين محبوبه ، فإنها كثيرة لكنّ بعضها ألطف وأشدّ نورانيّة من بعض ، وكلما كشف له منها حجاب تاقت النفس إلى كشف ما بعده حتى تزول جميعها عند الاتحاد ، إذ هي عائقة عن حقيقة المشاهدة ، وآخرها حجابا رؤية المحب ذاته في مشاهدة محبوبه ، إذ ملاحظته لها حجاب وشوب في المشاهدة ، فإذا ارتفع ذلك بالفناء عنها وعن فنائه عنها شاهد المحبوب على ما هو عليه ، وإن لم يفن هذا الفناء فلا يشاهد محبوبه إلا بقدر ما يليق بإدراكه ، لا بقدر كمال المحبوب في نفسه ، إذ لا يدرك كمال المحبوب سواه ، فما دام ثم السوى لم يصل إلى حقيقة الكمال في المشاهدة . وإذا كانت هذه المشاهدة على كمالها فليس في الوجود ألذّ منها ولا أعظم ولا أجلّ ، وقلّ ما تسلم من الشوائب في هذه الدار ، فإذا حصل هذا النوع من المشاهدة سكن زاعج الشوق المقلق الذي هو محل الألم وبقيت حالة تسمّى حالة الاشتياق ، وهي صفة لازمة للمحبة في ضمن ذاتها ، وهي لذّة محضة لا ألم فيها بخلاف الشوق ، إذ هو يحرّك النفس تحريكا عنيفا حتى تصل إلى تلك الحال الكاملة ولا تقنع بشيء دونها ، وهي المشاهدة الحقيقية : [ من الطويل ] أعانقها والنفس بعد مشوقة * إليها وهل بعد العناق تداني وألثم فاها كي تزول صبابتي * فيزداد ما ألقاه بالرشفان فيا من لنفس ليس يشفي غليلها * سوى أن يرى الرّوحان يلتقيان

--> ( 1 ) هذا البيت هو للشيخ أبو الهدى الصيادي محمد بن حسن وادي بن علي بن خزام أشهر علماء الدين في عصره ، حظي بمكانة عليا عند السلطان عبد الحميد فقلّده منصب مشيخة المشايخ ( 1266 - 1328 ه ) .